المقريزي
139
المقفى الكبير
يأكل . فلمّا فرغ قال له : أخوك يسلّم عليك ، وقد بعث معي هديّة . قال : وأين الكتاب ؟ قال : ما معي كتاب . قال : فالمشافهة ؟ قال : ما معي مشافهة ، ولكن هديّة لا غير . فقال : هاتها ! فأخرج خرقة وحلّها وناوله تفّاحة ثمّ ناوله بعدها مئزرا أسود ، ثم ناوله بعدهما [ 212 ب ] نصفيّة . ثم قام ليخرج ، وقال : ما معي دستور « 1 » أن أقعد بعد إيصال الهديّة . فوجم الأفرم ، وسارّه ودفع إليه نفقة وأعاده . فقال الأفرم لبعض من حضره : [ أتعرف ما في هذه الهديّة ؟ فقال : لا كثّر اللّه له خيرا فيما بعث ! فقال له : اسكت ويلك ! إنّه بعث يقول : إن كنت تريد أن تشمّ هواء الدنيا مثلما تشمّ هذه التفّاحة ، فسر في الليل الذي هو مثل هذا المئزر ، وإلّا فهذه النّصفيّة كفنك ! فكان هذا من نادر ما يحكى في الذكاء والفطنة . ولمّا سار كان عسكر مصر قد خرج لمنعه من اللحاق بقراسنقر . فلمّا أشرف ورأى العسكر قال لمن معه : شدّوا لي على حمام ! - وكان حصانا لا يجارى - فركبه ، وعليه كبر أطلس « 2 » أحمر وكوفيّة ، وأخذ بيده الرمح ، وقدّم أثقاله وفرّق طلبه « 3 » وقال : إنّ هؤلاء إذا دخلوا على العسكر ولست فيهم ظنّوا أنّي في الصيد ، إذ ما القصد إلّا أنا ، فما يعارضهم أحد لئلّا أجفل أنا . وكان الأمر كما قال ، لأنّهم عبروا عليهم فلم يتعرّضوا لهم ، وعندما بعدوا أقبل وحده وشقّ العساكر فلم يفطن له أحد ، ونجا حتى لحق بأصحابه . ومن حذره ، لم يجتمع بالأمير قراسنقر حتى استوثق منه بأيمان مؤكّدة خشية أن يكون قد باطن السلطان عليه . واتّفق أنّه نفد ماله في توجّهه إلى غازان حتى كان قراسنقر يقوم به ، وينفخ النّار بنفسه ، ومماليكه نيام ما فيهم من يرحمه ، وهو يتنهّد وعيناه تدمعان ، إلى أن وصل إلى بيوت سوتاي [ ف ] عملت له ضيافة عظيمة ونصب له خام كبير « 4 » ممّا كسبه التتار في نوبة غازان ، وعليها ألقاب الملك الناصر ، ونزل الأفرم به . وقام ليتوضّأ فرأى اسم الملك الناصر فوق رأسه فقال : كيف أعاند القدرة ! نحن في هذا المكان ، وقد خرجنا من بلاده ، وهو فوق رؤوسنا ! وإذا كان اللّه قد رفعه [ ف ] كيف نقدر نحن نضعه ؟ ومن حينئذ عاد إليه ناموس الإمرة ومشت مماليكه في خدمته إلى أن لقي خربندا وأنعم عليه بهمذان . وبعث إليه الملك الناصر الفداويّة « 5 » غير مرّة فلم يظفروا به . وقفز عليه أحدهم ، وقدّامه بيطار ينعل فرسه فأمسكه بيده وضمّه إلى إبطه حتى أخذه مماليكه ، فقرّره وقتله . وحصل له في سنة أربع عشرة فالج . وكان قويّا [ 212 ب ] يقاوم في الحروب بجماعة ، وله شغف باللهو والصيد . تمتّع بدمشق في القصر الأبلق الذي كان بالميدان تمتّعا لم يسبقه إليه أحد ،
--> ( 1 ) دستور في معنى الرخصة ( دوزي ) . ( 2 ) الكبر الأطلس : قماش ملوّن معصفر . ( 3 ) الطلب بالضمّ : مجموعة الجنود الذين يرافقون القائد . ( 4 ) لا نجد الخام في معنى الخيمة ولعلّها قبّة من جلد خام ( خيم ) أي غير مدبوغ كما في اللسان . ( 5 ) الفداويّة : الفدائيّون المتطوّعون لقتله .